الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
154
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وثانيها : أن استأذن في إثبات هذه التبعية ؛ فإنه قال : ( هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك ) ، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع . وثالثها : أنه قال : عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ ، وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم . ورابعها : أنه قال : مِمَّا عُلِّمْتَ وصيغة من للتبعيض ، فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله ، وهذا أيضاً مشعر بالتواضع ، كأنه يقول له : لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً في العلم لك ، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من أجزاء علمك ، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من أجزاء ماله . وخامسها : أن قوله : مِمَّا عُلِّمْتَ ، اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم . وسادسها : أن قوله : رُشْداً ، طلب منه الإرشاد والهداية ، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال . وسابعها : أن قوله : تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ، معناه : أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به ، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك عليَّ عند هذا التعليم شبيهاً بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم ، ولهذا المعنى أنا عبد من تعلمت منه حرفاً . وثامنها : أن المتابعة : عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلًا لذلك الغير . . . قوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ ، يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ آتياً بها ، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم ، وترك المنازعة والاعتراض . وتاسعها : أن قوله : أتبعك ، يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء . وعاشرها : أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولًا أنه نبي بني إسرائيل ، وأنه هو موسى صاحب التوراة ، وهو الرجل الذي كلمه الله عز وجل من غير واسطة ، وخصه